الاثنين، 15 يوليو 2013

العمارة الحسية و المعنوية في المساجد

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عمارة المساجد :
 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم: عمارة المساجد وهي قوله تعالى:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 17-18]
 أيها الأخوة الكرام، أن يعمروا من عمارة المساجد، وعمارة المساجد تطلق على عمارة المساجد، وإصلاح المساجد، وتوفير حاجات المساجد، ومرافق المساجد، وخدمات المساجد، وتطلق أيضاً على لزوم المسجد، والإقامة فيه لعبادة الله عز وجل.
العمارة نوعان؛ عمارة حسية وعمارة معنوية :
 العمارة نوعان، عمارة حسية أن نبني البنيان، وأن نطلي الجدران، وأن نؤسس المسجد بما يحتاج، وأن نوفر له مرافقه من إضاءة، وماء، وكهرباء، وتكبير صوت، وفرش، هذه عمارة حسية، وكل من ساهم في إعمار المسجد من هذه الزاوية بنى الله له قصراً في الجنة، المهندسون، العمال، المخططون، المتعهدون، أعضاء الجمعية التي أسست من أجل بناء المسجد، المتبرعون، المساهمون، كل من له نصيب في بناء مسجد، وكسوة مسجد، وتأسيس مسجد، وتوفير الخدمات للمسجد، فهو ممن يعمر مساجد الله، هذا هو المعنى الأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ متفق عليه عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]
 إلا أن البناء ورد في آية ثانية:
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾
[ سورة النور: 36 ]
 لم يقل أن تبنى بل أن ترفع، فينبغي أن يكون بيت الله يليق بدين الله، ينبغي أن يكون بيت الله يليق بهذا الدين العظيم، لا ينبغي أن تكون أبنيتنا أكثر رحابةً، وأكثر أناقةً من بيوت الله فهذا دليل تعظيم شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ولكن أن تكون كلفة هذه الزخرفة تساوي بناء مسجدين الأولى أن نبني مسجدين، أحياناً كلفة زخرفة المساجد تساوي بناء مسجد آخر، ونحن في أمس الحاجة إلى مسجد آخر، لذلك ينبغي أن يكون المسجد واسعاً فيه كل حاجات المصلي؛ من إضاءة، ومن فرش، ومن ماء بارد، وماء ساخن في الشتاء، ومن تكبير صوت، من دون إسرافٍ، ومن دون أن تكون الزخرفة تزيد عن كلفة البناء بأكمله.
 العمارة نوعان عمارة حسية وعمارة معنوية وهي أن تأتي إلى بيت الله، بيت الله يجب أن يكون مكتظاً بالمصلين، يجب أن يستقطب كل من حول المسجد، لا أن تجد في مسجد كلف ثمانين مليوناً سبع مصلين في الفجر، والله هذه مشكلة، هذا المسجد عمر بناءً ولم يعمر عبادةً، قال تعالى:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
 لأن الكافر والمشرك له عقائد تتناقض مع الإسلام، يعظم شيئاً لا يعظمه الإسلام، فلو سمحت لمشرك أن يأتي بيت الله الحرام لأفسد الدين هناك.
المشرك هو عين النجاسة أينما حلّ أفسد :
 وكما تعلمون الأجانب حينما يأتون إلى بلد هم بحاجة إلى ملهى، بحاجة إلى ناد، بحاجة إلى أن يشربوا الخمر، فإذا سمحنا للمشرك أن يدخل مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام فقد شوهنا هذه المعالم المقدسة، فلذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28]
 بكلمة نجس دقة رائعة، لم يقل نجسون لو قال هم نجسون كل شيء نجس يتطهر، أما قال عز وجل:
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
 عين النجاسة، أنت مثلاً بإمكانك أن تطهر قطعةً أصابها بول بالماء سبع مرات، لكن هل بإمكانك أن تطهر البول نفسه؟ هو عين النجاسة، فالمشرك كما وصفه الله عز وجل هو عين النجاسة أينما حل أفسد، أينما حل بحث عن المرأة، أينما حلّ بحث عن الشراب، أينما حل بحث عن الإفساد.
حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله :
 لذلك
﴿مَا كَانَ﴾
 أي مستحيل، أشد صيغ النفي في القرآن الكريم ما كان، أي لا يمكن وغير معقول ولا نرضى ولا نريد ولا نسمح، لأن حركاتهم، وسكناتهم، وسلامهم، ولقاءهم، أساسه الإفساد، إذا التقوا ليحتفلوا بشيء لابد من أن يشربوا نخب هذا المشروع، يضعون الخمر في الكؤوس، هذا احتفالهم بإنشاء بناء، أو بإعمار مؤسسة إلى آخره.
﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
﴿شَاهِدِينَ﴾
 أي مقرين ومعترفين وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية،
﴿حَبِطَتْ﴾
 ضاعت وذهب ثوابها، أيها الأخوة حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله، العمل السيئ عمل أحبطه الله، والعمل الطيب إذا كان لغرض سيئ فهذا عمل فقد ثوابه، إما أن تفقد شكل العمل الطيب، أو أن تفقد قيمته عند الله عز وجل، لو أن إنساناً فعل عملاً طيباً ولكن بنية خبيثة نقول: حبط عمله، لو أن إنساناً أنشأ ملهى ليفسد الناس، وليجني أرباحاً طائلة من هذا الملهى، نقول: حبط عمله، الذي أنشأ ملهى حبط عمله شكلاً ومضموناً، وسقط عمله في خندق الإفساد، أما من أنشأ مشروعاً طيباً وقال: هذا عمل إنساني، إما هدفه تكوين ثروةٍ طائلة، أنشأ مستشفى والشيء المعلن أنه عمل إنساني، أما الهدف الكبير أن يبتز أموال الناس إلى درجة غير معقولة، إلى درجة تصبح قراءة الحساب تسبب الجلطة، هذا عمل في ظاهره إنساني إلا أنه حينما يسلك أصحابه فيه ابتزاز كبير، واستغلال لحاجة الناس إلى الشفاء والمعالجة، فهذا عمل ظاهره إنساني لكن الله أحبطه أي أسقط قيمته.
إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل :
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 18]
 لمَ لم يقل صلى؟ أقام الصلاة، أنت تقول: أقيم البناء، لا تقول: بني البناء، هناك تمهيدات، هناك شروط، هناك استقامة، ينبغي أن يسبقها، هناك وضوء، هناك طهارة، طهارة الثياب، طهارة البدن، والمكان، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، هناك شروط لصحة الصلاة، شروط سلوكية، وشروط شعائرية، فلذلك الله عز وجل قال:
﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾
 أي سبق إقامة الصلاة استقامة.
 قال العلماء: إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل معتدلةً مقومةً بسائر شروطها وأركانها.
الخشية في اللغة :
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
 أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف، هذه بعض معاني الكلمات التي وردت في هذه الآية:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 17-18]
 المعنى المخالف: إذا كان لا ينبغي للمشرك أن يعمر مساجد الله فهل ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين؟ أماكن لهوهم؟ مقاصفهم حيث الاختلاط؟ حيث الخمور؟ حيث الأغاني؟ حيث التفلت؟ كما أنه لا ينبغي للمشرك أن يدخل بيت الله عز وجل كذلك لا ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين، لأنه لا يوجد انضباط فيه.
الحكمة من منع الله المشركين من إتيان بيوته :
 لماذا منع الله المشركين من إتيان بيوت الله؟ قال: لأن المشرك في باطنه وظاهره يتناقض مع دين الله وعظمته، لا ينبغي للمشرك أن يرتاد بيوت الله لأنه سيؤذي المصلين، بحركاته، وكلماته، وتصرفاته، وتفلته، أحياناً امرأة سائحة تدخل إلى بيت من بيوت الله بأبهى زينة، بشيء لا يحتمل، الحمد لله عندنا في الشام يعطونها عباءة ترتديها لئلا تؤذي المصلين إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله، قال: هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم، وذهب ثوابها وهم في جهنم خالدون، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها من شيء بسبب كفرهم وإشراكهم، أما عمارة المسجد فإنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق الخشية، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل الله.
الحكمة من نزول الآية التالية :
 أيها الأخوة، روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر العباس بن عبد المطلب وهو عم النبي، وحول هذه القصة قصص كثيرة، وأكثر الروايات تؤكد أن العباس عم رسول الله قد أسلم سراً في مكة، وكان عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرسل له الأخبار تلو الأخبار عن كل شيء يحدث في مكة المكرمة وله علاقة بالمسلمين، ولكن العباس عم رسول الله من حكمته أنه كتم إيمانه لتبقى له هذه المهمة التي خدم بها المسلمين، وتروي الروايات أنه شارك المشركين في موقعة بدر، لماذا شاركهم؟ لئلا يكشف نفسه، فلو كشف نفسه انتهت مهمته، والنبي يعلم إسلامه فلماذا لم يخبر أصحابه بأنه مسلم؟ لأنه لو أخبر أصحابه لأنهى مهمته، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقتلوا عمي العباس"، لو لم يقل ذلك ربما قتله أصحاب النبي لأنه مشرك، لذلك من تتمة هذه القصة أن رؤساء قريش أُسروا يوم بدر، وفيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت الآية:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
 يروي بعض أصحاب رسول الله أنه قال في نفسه: ينهانا عن قتل عمه وأحدنا يقتل في الحرب أباه وأخاه، ما فهم توجيه النبي ثم كشف في نهاية المطاف أن العباس بن عبد المطلب كان مسلماً، وكان عين النبي، وقدم للنبي صلى الله عليه وسلم خدمات جليلة، والنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يكشف مهمته، وسمح له أن يشترك مع الكفار في معركة بدر، وقد وقع أسيراً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وجه أصحابه بألا يقتلوا عمه العباس لأنه مسلم، لكن لو أنه قال: لأنه مسلم كشفه، فقال هذا الصحابي: بقيت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، حينما قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوا عمي العباس" ما قالها عن عصبية بل قالها عن علم، ولكن الحكمة تقتضي أن يقتصر على هذه الكلمة.
مسجد الله هو البيت الحرام من نطق بالشهادة دخله :
 الجمهور قرأ ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ بعضهم أن يُعمروا، يَعمروا ماضيه ثلاثي، أما يُعمروا ماضيه رباعي، أعمر يُعمر، ومعنى أعمر أي أعان على عمارته، يُعمر يعين على عمارة المسجد، أما الجمهور فقرأ: أن يَعمُروا أي أن يساهموا أو أن يزوروا المسجد، والجمهور يقرأ: ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمر: يُعمروا مساجد الله، ومن خلال هذه القراءة قد نستنبط أن مسجد الله هو البيت الحرام.
 مرة كان هناك مناظرة عالمية بين أحد علماء المسلمين وبين أحد كبار علماء النصارى في أمريكا، فسأله أحد الحاضرين: هل بالإمكان أن تكون هذه المناظرة في مكةَ المكرمة؟ أراد هذا السائل أن يجر العالم الذي يناظر هذا القس إلى ذكر هذه الآية:

﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ
 وكان العالم الجليل ذكياً جداً قال له: أنا عندما قدمت إلى بلدكم أمريكا قدمت كل الوثائق التي طلبت مني، أبرزت وثائق، وقدمت تصاريح، حتى سمح لي بالدخول أما مكة المكرمة فيكفي أن تنطق بلسانك لا إله إلا الله وأهلاً بك في مكة، دخولها سهل جداً يقتضي أن تعلن الشهادة، تعلن الإسلام وأهلاً بك في مكة، فوت عليه أن يجره إلى أن يذكر هذه الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
[ سورة التوبة : 28]
من لطائف التفاسير :
1 ـ الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً :
 أيها الأخوة:(لاحظوا أنه ) من لطائف التفاسير، اللطيفة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً، الحكم الشرعي الآن لا يمكن للمشرك أن يدخل إلى مكة المكرمة، والذين ذهبوا إلى الحج أو العمرة يرون في مدخل مكة طريقاً خاصاً للمسلمين ينتهي بهم إلى مكة، وطريقاً خاصاً ينتهي بغير المسلمين إلى مكان بعيد عن مكة، قال، أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً هو المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فهو في علم الأصول من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص، كيف؟
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 19]
 مستحيل المقصود أصبع واحد أطلقنا الجمع وأردنا الفرد، أحياناً نطلق الخاص على العام،كما في الشاهد مت قوال الله العلي القدير قال تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
[ سورة الأنفال : 60]
﴿قُوَّةٍ
 عام
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ
 عطفنا الخاص على العام، و أحياناً نعطف العام على الخاص، أحياناً نطلق العام  ، ونقصد الخاص، كل هذا لحكمة(بلاغية )رائعة، فهنا أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص.
2 ـ العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به :
 اللطيفة الثانية، العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، يوجد عندنا حقيقة وعندنا مظاهر لها، المسلم حقيقته أنه آمن بالله، وانصاع إلى أمره، لكن مظهره يصلي، مظهره يغض بصره، مظهره يصوم رمضان، مظهره يؤدي زكاة ماله، هذه مظاهر ولها حقيقة، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية قال:بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ
[ سورة التوبة : 17]
 ذكر العلة أنهم يظهرون الكفر، هناك لكفرهم مظاهر، علامات، ولكن العلماء يقولون: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، الحكمة من ذلك الإنسان أحياناً ينطوي على كفر أو شرك، لكن لا يبدو منه ما يؤكد هذه الحقيقة، فأنت بين شك ويقين، أما حينما يكفر يسب الدين، مثلاً تكلم شيئاً يؤكد حقيقته، فصار شركه قطعياً، صار كفراً بواحاً، فلذلك علة أن الله ذكر مظاهر الشرك ، ولم يذكر حقيقة الشرك هو أنك إذا أظهرت مظاهر الشرك فقد أكدت حقيقة الشرك، أي الشرك مع مظاهره شرك مقرون بالإقرار، والكفر مع مظاهره كفر مقرون بالإقرار، إنسان ساكت وهو كافر ليس له مظهر أما حينما يسب، حينما يسخر من الصلاة، حينما يسخر من شعائر الله، فسخريته وكلامه وتهجمه دليل أنه أتى بالدليل على أنه كافر.
 وكلكم يعلم أن الكفر كفر اعتقادي،ولكنه ايضا وكفر سلوكي، وكفر كلامي، فالذي يسب الدين وقع في الكفر الكلامي، والذي يمسك بالمصحف ويرميه أرضاً وقع بالكفر السلوكي، والذي يعتقد أن هذا المصحف ليس كلام الله إنه من عند رسول الله، من عند محمد بن عبد الله، هذا كفر اعتقادي، وهذه الأنواع الثلاث من الكفر تخرج الإنسان من ملة الإسلام.
3 ـ أمْر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها وتنظيفها واعتيادها للعبادة :
 اللطيفة الثالثة، أمر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ويتناول أيضاً اعتيادها للعبادة والذكر وطلب العلم، أنت مؤمن من أخص خصائص إيمانك أنك تعمر مساجد الله، تسهم في بنائها.
 حدثنا أخ كريم من أن رجلاً من أهل الغنى أراد أن يبني مسجداً في أحد أحياء دمشق، بحث عن أرض مناسبة، وجد أرضاً مناسبة، ومساحتها جيدة، وفاوض صاحبها، صاحبها رجل يعمل حاجباً في مدرسة، ودخله في الشهر ثلاثة آلاف ليرة، وقد ورث هذه الأرض من قريب، ولا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، هذا الثري الذي أراد إنشاء مسجد فاوضه على سعرها، واتفقا على مبلغ قريب من أربعة ملايين، وتم الاتفاق، وقرئت الفاتحة، وكتب هذا الثري شيكاً لصاحب الأرض بمليوني ليرة ، على أن يعطيه الباقي عند الفراغ، بعد أن وقع الشيك وناوله إياه، قال له: الذي أرجوه منك أن نلتقي غداً في الأوقاف، فقال له: لماذا الأوقاف؟ قال: من أجل أن نصرح لها أن هذه الأرض لبناء مسجد، قال: أنت تريد أن تشتري هذه الأرض كي تنشئ عليها مسجداً؟ قال: نعم، قال: هات الشيك، أخذ الشيك ومزقه، قال: أنا أقدمها لله بدلاً منك، وقدمها لوجه الله، هذا ماذا أنفق؟ أنفق ماله كله، عمارة المساجد من أجلِّ الأعمال لأن خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها، بالمسجد هناك صلاة، وذكر، ودرس علم، وحقائق تتلى، هذا أنفق ماله كله، يقول هذا الثري: والله ما من وقت شعرت فيه أنني صغير أمام رجل كبير كهذا الموقف، رأى نفسه صغيراً جداً أمام هذا الإنسان الفقير الذي لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض وقدمها من أجل بيت من بيوت الله، ورفض أن يأخذ ثمنها، وقال: أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل.

أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله :
 لذلك أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله، والمؤمن في المسجد كالسمك في الماء، روحه في المسجد، ترتاح نفسه، ويطمئن قلبه في المسجد، لذلك أمر الله المؤمنين بعمارة المساجد أي إعمارها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ودخولها للصلاة، والعبادة، والذكر، وطلب العلم.
 هناك معنى ثان: وصونها عما لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، ورد في الأثر:

(( جمعت المال مما حلّ وحرم وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي))
 لذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس- من هذه الثلاث - ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها"، معنى هذا أن الجنازة تخاطبك.
 سمعت عن رجل سجل شريطاً مؤثراً جداً قبل أن يموت، بعد أن مات أوصاهم أن يُسمعوا من حول القبر هذا الشريط، فالميت في القبر والمشيعون حول القبر يستمعون إلى صوت الميت يناديهم: أنا الآن في القبر تحت أطباق الثرى، لا ينفعني مالي، ولا مكانتي، ولا بيتي، ولا أولادي، ولا زوجتي، تركت كل شيء وأنا رهن عملي... أي هذا الميت ألقى كلمة قبل أن يموت بليغة فصيحة، وأوصى أهله أن يُسمعوا المشيعين هذه الكلمة، والحقيقة إن في معالجة جسد خاوٍ لعبرة، وكفى بالموت واعظاً يا عمر.
4 ـ من آمن بالله وأقام الصلاة وأتى الزكاة فعسى أن يكون من المهتدين :
 اللطيفة الرابعة، حينما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[ سورة التوبة : 18]
 آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وأتى الزكاة، ولم يخشَ إلا الله، واستقام على أمره، قال:
﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
 عسى تفيد الشك، عسى إذا قالها الله تفيد غلبة الظن وليست قطعاً، لا تعني القطع، عسى أولئك أن يكونوا، فهذا الذي آمن، وعرف الله، واستقام على أمره، وصلى، وصام، وآمن بالله واليوم الآخر، هذا عسى أن يكون من المهتدين، فما قولك بالذي يجاهر بالكفر والعصيان؟
الأحكام الفقهية المستنبطة من هذه الآية :
1 ـ المراد بعمارة المساجد بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها :
 الأحكام الفقهية التي يمكن أن تستنبط من هذه الآية:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[ سورة التوبة : 18]
 كثيرة من أبرزها: المراد بعمارة المساجد بناؤها، وتشييدها، وترميم ما تهدم منها، وهذه هي العمارة الحسية يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ))
[ابن ماجه وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله] صدق رسول الله صلي الله عليه و سلم
2 ـ المؤمن مأمور بارتياد المساجد والصلاة فيها والذكر فيها وتلاوة القرآن :
 المعنى الثاني: والمراد بعمارتها الصلاة، والعبادة، وأنواع القربات، وطلب العلم، والدليل قوله تعالى:
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ
[ سورة النور : 36]
 هذه العمارة المعنوية، فالمؤمن مأمور بعمارة المسجد عمارةً ماديةً من بناء، وترميم، وتأسيس، وتزيين، ومأمور بعمارتها المعنوية من ارتيادها، والصلاة فيها، والذكر فيها، وتلاوة القرآن، وطلب العلم، ومن علامة الإيمان ارتياد المساجد.
 شيء آخر: المراد بالمساجد في هذه الآية كما قال بعض المفسرين: المراد هو المسجد الحرام وحده لأنه المفرد العلم، الأكمل، الأفضل، قبلة المساجد كلها، وسبب النزول يؤيد هذا القول، وهو مروي عن عكرمة أن يعمروا مسجد الله، المقصود به بيت الله الحرام، وقال، آخرون المراد به جميع المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً.
 والحقيقة أن الظاهر يفيد التعميم والذين خصصوا اعتمدوا على قراءة.
3 ـ نهي الله تعالى عن تمكين المشركين ، من عمارة بيوت الله :
 الحكم الثالث هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟ أخذ بعض العلماء من الآية أنه لا يجوز أن يستخدم الكافر في بناء مسجد لأنه من العمارة الحسية، وقد نهى الله تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله، والظاهر جواز استخدام الكافر لأن الممنوع إنما هو الولاية أن يتولى الكافر تسيير أمور المسجد، أما أن يستخدم في عمل كنحت حجارةٍ، أو بناء، أو نجارةٍ، فلا يبدو أن الآية تمنع ذلك، إذا استخدمته كعامل لا يوجد مانع، أما أن تستخدمه كمشرف، كمسير، كموجه، كصاحب قرار فلا يجوز، هذا حكم آخر.
من يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل :
 أيها الأخوة، ملخص هذه الآيات من أخص خصوصيات المؤمن عمارة بيوت الله بناءً، وتأسيساً، وترميمياً، وإصلاحاً، وتعظيماً، ومن أخص خصائص المسلم إعمار بيوت الله ارتياداً، وصلاةً، وذكراً، وتلاوة، وطلب علم، وتعليم علم، وخير البلاد مساجدها، وشرها أسواقها، وطوبى لمن كان له سهم في بناء مسجد، لأن كل صلاة تنعقد في هذا المسجد، وكل ذكرٍ، وكل مجلس علم، وكل توبة، في صحيفة الذي بنى المسجد، والذين يقولون: لا كيان بلا أرض، لا دعوة إلى الله بلا مكان، أين ندعو؟ في البيوت، عندك خمسة محلات، ستة محلات، أما بيت الله فيسع خمسة آلاف شخص، لا كيان بلا أرض، لا دعوة بلا مسجد، فالذي يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنا والله أهنئ كل الذين  ،سمح الله لهم  ، وأجرى على أيديهم الخير لبناء المساجد، والعناية بها، والحقيقة في هذا البلد الطيب حركة بناء مساجد تفوق المعقول، أي الذي بني في عشر سنوات من المساجد لم يبنَ في مئة سنة، في مئات السنين سابقاً، وهذا من فضل الله، ودليل أن هناك عودة إلى الله، وأن هناك يقيناً أن خلاصنا في الدين وحده، فكل إنسان ساهم في بناء مسجد، في تأسيس مسجد، في كسوة مسجد، في حلّ مشكلة مسجد، في ترميم مسجد، في إعلاء مسجد، في تعظيم مسجد، في ارتياد المسجد، شجع الناس على حضور مجالس العلم له أجر، ارتادها طالب علم، ارتادها معلماً، ارتداها مصلياً، ارتادها ذاكراً، فأن تكون في بيت الله أحد خصوصيات إسلامك.
والحمد لله رب العالمين و سلاما و صلاة علي سيد المرسلين -->

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق